عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
95
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
بل سمع بيتا من شعر فيه ذكر النّار وليس هذا عندي باختلاف ، فهو سمع الجميع لقول ابن اللّبّاد : دخل المسجد فسمع بعض القوّالين « 1 » يقول : دع الدّنيا لمن جهل الصّواب * فقد خسر المحبّ لها وخابا وما الدّنيا وإن راقتك إلّا * كبلقعة « 2 » رأيت بها سرابا « 3 » إلى أن انتهى إلى قوله : يظل نهاره يبكي شجيّا « 4 » * ويطوي الليل بالأحزان دابا « 5 » ثم قرأ القارئ آية من القرآن فخرّ صعقا فاحتمل إلى داره ، ولم يزل منازعا إلى مغيب الشّمس ، فتوفّي بعد العشاء الآخرة « 6 » . وهذا خلاف ما تقدم من كونه مات قبل وصوله إلى الدّار ، وخلاف قول التّجيبي عند وصوله . قال المالكي : ولما انصرفوا [ به ] « 7 » من مجلس الذّكر مرّوا به على الصّدّيني « 8 » العراقي قال : هذا الرّياء فلما مات ، قال « 9 » : هذا واللّه الإخلاص في الصّدق ! . قال : وختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة « 10 » . وجد ذلك مكتوبا في قبلة المسجد . ومن حكمه رحمه اللّه : كلّ كلمة لم يتقدمها نظر ، فالكلام فيها خطر ، وإن كانت من أسباب النّظر ، وكان يقول : لو أهمّك شأنك [ لكلّ ] « 11 » لسانك ، ولولا الفضول صفت العقول ، ومن كان باللّيل نائما ، وبالنّهار هائما متى ينال الغنائم ؟
--> ( 1 ) المراد بالقوّالين : المنشدين للشّعر . ( 2 ) كبلقعة ، البلقع : هي الأرض المستوية ، وقيل : بقعة ليس بها شجر ولا تنبت شيئا ، وقيل هي قفر من الأرض . راجع لسان العرب لابن منظور . مادة : « بلق » 10 / 25 دار صادر بيروت . ( 3 ) السّراب : هو ما يرى نصف النهار من اشتداد الحر كأنه ماء ، وهو ليس ذلك . وهو مثل يضرب في الكذب والخداع . قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً . . . [ النّور : 39 ] الآية . ( 4 ) في الرياض : بشجو 1 / 471 والشجا هو : « الحزن » . ( 5 ) الرياض : 1 / 471 . ( 6 ) الرياض : 1 / 471 - 472 . ( 7 ) زيادة من الرياض : 1 / 472 . ( 8 ) الصديني نسبة إلى : محمد بن أسود بن شعيب القاضي الصديني المتوفى سنة 304 ه . البيان المغرب 1 / 175 [ وفيات : 304 ه ] . ( 9 ) في الرياض : قال الصديني 1 / 472 . ( 10 ) المراد بهذا ختم القرآن من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس . ( 11 ) في الأصل : لكان وهو تحريف لكلمة : « كلّ » والكلّ هو : التعب والعياء .